الصراع الكسادي - البريكي في وثائق ومراسلات تاريخية تنشر لأول مرة) في الجلسة الأولى للمؤتمر العلمي الرابع التاريخ والمؤرخون الحضارمة


ملخص البحث المقدم الى المؤتمر العلمي الرابع التاريخ والمؤرخون الحضارمة المنعقد يوم أمس في المكلا

يافع الحدث / أ د.علي صالح الخلاقي

توطئة
أقام آل كساد اليافعيون لأول مرة في تاريخ المكلا إمارة مستقلة في القرن الثاني عشر الهجري (1115-1299هـ/1703-1881م) وكانت قبل ذلك قرية صغيرة بعيدة عن أي مركز تجاري أو أدبي أو سياسي وتتبع أي سلطة تفرض سلطانها على الساحل الحضرمي, واستطاع آل كساد أن يلفتوا الأنظار إلى مدينتهم وإنعاشها حتى أخذت تنافس مدينة الشحر من حيث الأهمية.
وفي الشحر تمكن آل بن بريك من تأسيس إمارة خاصة بهم (1165-1283هـ/1751-1866م)اقتصرت في البدء في السيطرة على المدينة بعد القضاء على منافسيهم من الحاميات اليافعية, وقد رأى الكساديون في قيام الإمارة البريكية مصلحة أمنية لإمارتهم بحكم الروابط القبلية بين الأسرتين اليافعيتين, وظلت العلاقة بينهما قائمة على حُسن الجوار, واتجاه كل منهم للاهتمام بتطوير وتقوية مؤسسات إمارته .
ولكن تطورات الأحداث السياسية في حضرموت الساحل ألقت بتبعاتها على تلك العلاقات الأخوية, ودخلت الإمارتان في نزاعات مع بعضهما البعض, وتحولت إلى عداوة عندما سعت كل منهما للتوسع على حساب الإمارة الأخرى.
وبدأ الصراع على التوسع والنفوذ بينهما بسبب سيطرة آل بن بريك على غيل باوزير وطرد آل همام منها فلجأوا إلى النقيب عبدالرب الكسادي مستنجدين به فاستجاب لنجدتهم بدافع تخوفه من توسع آل بن بريك وخشيته من أن تصبح المكلا هدفاً قادماً لهم, ولوقف هذا التوسع قبل أن يمتد ويتسع خطره, أعد العدة لمساعدة بن همام في استرجاع الغيل لتكون الغيل حاجزاً بين الأمارتين, بل وربما طمع بضمها بعد تحريرها إلى الإمارة الكسادية لما تتمتع به من موارد زراعية سترفد الاقتصاد الكسادي. وكانت معركة (الحدبة) أول مواجهة مباشرة بين الجانين, هُزِم فيها الكساديون وفشلوا في استعادة الغيل, وعلى إثرها توسعت شقة الخلاف بينهما وتحولت إلى عداء مستحكم وأخذ كل منهما يحشد ويستقدم المقاتلين من يافع وغيرها ويعد العدة لمواجهات قادمة.
وتكشف الوثائق والمراسلات التي بين أيدينا, وهي مصادر أصلية تُنشر لأول مرة, حقائق ومعلومات جديدة عن خفايا ذلك الصراع وتقدم مادة للباحثين لتصحيح أو إضافة أو تأكيد بعض المعلومات عن أحداث تلك الفترة التي تعود هذه الوثائق والمراسلات إليها.
ويلزمني الوفاء والعرفان بالجميل الاعتراف بأنني حصلت على هذه الوثائق في أرشيف قضاة وفقهاء يافع آل عزالدين البكري حيث سمح لي الأخ الفاضل ناصر علي محمد الفقيه عزالدين البكري مشكورا بتصويرها مع وثائق ومراسلات كثيرة تاريخية خاصة بعلاقة يافع وحضرموت وغيرها, في زمن جدِّه نائب الشرع الفقيه عبدالحبيب بن أحمد حيدر عزالدين البكري الذي كانت له ارتباطات وثيقة وعلاقة حميمة مع كل من أمراء الدولتين الكسادية والبريكية ومع سادة عينات وغيرهم.
يمكن تصنيف هذه الوثائق والمراسلات لتسهيل دراستها على النحو الآتي:

أولاًً:وثائق ومراسلات تخص الدولة البريكية:

1- من أهم الوثائق التي بحوزتنا اتفاقيتان بين النقيب ناجي بن علي بن ناجي بن بريك وآل بني بكر وخُلاقة في يافع سنة 1225هـ. وتنصان على استقدام مقاتلين مؤقتين براتب شهري ينتهي حالما يستغني عنهم الأمير ناجي بن علي. ومثل هذه الاتفاقيات لم يبتدعها آل بن بريك لتعزيز قوتهم، بل ساروا على نهج من سبقهم ، بما في ذلك آل كثير وغيرهم، واعتمدوا على صلة القرابة في جذب مقاتلين مؤقتين من يافع، حسب الحاجة لذلك كما تنص الاتفاقيتان، إلى جانب اتفاقيات مماثلة أُبرمت مع قبائل حضرمية أخرى.

2- يبدو أن تلك الاتفاقيات السرية التي كتبها ووثقها نائب الشرع القاضي عبدالحبيب بن أحمد حيدر قد تسرب مضمونها وتناهى خبرها إلى النقيب عبدالرب الكسادي, خاصة اتفاقية بني بكر مع آل بن بريك, وهو أمر لم يكن يتوقعه لكونها تتعارض مع العهود القائمة والعلاقة المتميزة التي تربط بني بكر وقاضيها عبدالحبيب بالأمراء الكساديين, وهذا ما أفصحت عنه رسالة من المكلا, محررة في رجب, أي بعد شهرين من عقد الاتفاقيتين سنة 1225هـ, تشير إلى أن أخبار النقيب عبدالرب الكسادي وبن بريك هادئة لوجود صلح (هدنة) بينهما، وأنها صدرت رسائل من النقيب عبدالرب إلى يافع ولا يعرف ما في خاطره, ولكن صاحب الرسالة يثير الشك حينما يوضح أنه ربما وصل النقيب كتاب, أي رسالة, من شخص من بني بكر وأثار قلقه وأزعجه كثيراً خاصة وأن بينه وبين بني بكر عهود قديمة, وكأنه يلمِّح إلى معرفة النقيب لخبر الاتفاقية أعلاه بين بني بكر وآل بن بريك, ويذكِّر القاضي بمكانته الخاصة عند النقيب عبدالرب الكسادي التي لا يرقى إليها الشك, فما بالك أن يكون هو كاتب وشاهد على اتفاقية تسند خصمه بن بريك.

3- من أهم الوثائق التي ننشرها لأول مرة رسالة أصلية من الأمير ناجي بن علي بن ناجي بن عمر بن بريك إلى السلطان أبوبكر بن عمر بن قحطان بن عمر بن صالح ابن الشيخ علي بن هرهرة محررة يوم السبت 15 من شوال سنة 1226هـ, يذكر فيها ما أقدم عليه الكسادي في الموسم التجاري صيف العام الماضي, أي سنة 1225هجرية, من اعتداء صارخ على بندر الشحر بعدد من السواعي (السفن) قطعت الطريق أمام من أراد الوصول إلى الشحر وإعادتهم إلى المكلا, فتسبب ذلك بقطع حركة بندر الشحر وتعطيل أرزاق الناس من شريف وضعيف ومسكين دون مراعاة للعهود, بل وأخذ سواعي آل بن بريك وسواعي رعيتهم وأموالهم وذبح عبيدهم, (من بعد عهد الله وأكل وشرب), وهو عمل لم يقم به أحد من قبل ولا من بعد, حتى أصبح بندر الشحر خالياً من السفن (السواعي).
ونستنتج من مضمون هذه الرسالة أن أحداث تلك الحرب التي جرت في سنة 1225هجرية كما في رسالة الأمير ناجي بن علي , تتطابق مع ما ورد في بعض المؤلفات من أنها جرت سنة 1227هـ. التي بدأت باعتراض الكسادي للسفن القادمة من سواحل افريقيا والمتجهة إلى ميناء الشحر, والمملوكة في معظمها لتجار من الشحر, ومصادرة ما بها من أموال واقتيادها إلى المكلا, مما دفع الأمير ناجي علي بن بريك إلى الرد على تلك القرصنة البحرية فأعد العدة والتقى مع قوات الكسادي في الحرشيات والحق الهزيمة بالكساديين حتى وصلت قواته إلى البقرين وديس المكلا وسيطر ثالث يوم على حصون قارة المكلا وأطلق نيران مدافعه على حصون الكسادي وأسفرت عن مقتل أحمد عبدالرب الكسادي ومعه سيف بن سالم وبن ظمل وشخص من أصحابهم والبقية من عرب وعبيد. كما ورد في رسالة الأمير ناجي بن علي , ثم طلب الكساديين الصلح خشية من دخول آل بن بريك إلى المكلا, ولعبت وساطة آل العيدروس دوراً في إنجاح الصلح..
ولعل رسالة الأمير ناجي بن علي هذه تدفعنا لإعادة تصحيح تاريخ تلك الحرب التي جرت سنة 1225هـ, وليس كما هو متعارف عليه 1227هـ, ويكفينا أن نعتمد رواية من أرّخ لها وهو الأمير ناجي بن علي نفسه التي قاد تلك الحرب بنفسه وأورد في رسالته تفاصيل دقيقة لم يسبق أن وردت من قبل, منها أسماء السفن والقتلى وحركة قواته وقوات خصمه الكسادي..الخ.

ثانياً:مراسلات تخص الدولة الكسادية أو ذات صلة بأخبارها:

وهي رسائل متنوعة بعضها من نقباء الدولة الكسادية وبعضها من رجالاتها ومن أشخاص مناصرين لها لكنها تحمل أخباراً ذات ارتباط بالصراع الذي دار بين الكساديين وآل بن بريك . ومنها:
1- رسالة من المكلا تذكر أن أخبار البنادر مربوشة(مضطربة) والنقيب عبدالرب الكسادي مستوجع (مقهور) من بن بريك لأنه خسر خسارة كثيرة. ويبدو أن الرسالة كُتبت بعد هزيمة أوجعت النقيب عبدالرب الكسادي.
2- رسالة من بندر المكلا مؤرخة في 3 رجب سنة 1227هجرية, تحث على الاستجابة لطلب النقيب عبدالرب بن صلاح الكسادي ومده بالرجال إذا ما طلب ذك, خاصة من بني بكر-يافع لمعزته لهم ومكانتهم الخاصة لديه.
3- رسالة من عبدالمطلوب بن سالم بن بوبكر بازنبو إلى الفقيه عبدالحبيب بن أحمد حيدر البكري , محررة يوم الأحد 21 محرم 1228هـ, يذكر أن أهل كساد وبن بريك ساكنين وكلاً في موقعه دون حدوث شيء بينهما. وأنه جعل هذا الكتاب لتجديد العهد.
4- رسالة من عبدالرب صلاح سالم الكسادي محررة يوم الاثنين 13 شهر رجب سنة 1228هـ إلى الفقيه عبدالحبيب بن أحمد حيدر البكري يورد فيها خبراً نتعرف عليه لأول مرة, ولم يسبق ذكره في المصادر المنشورة وهو وصول الشيخ سلطان بن صقر بن مطر شيخ الشارقة إلى المكلا لغرض عقد هُدنة بين الكسادي وبن بريك مدتها ثلاث سنوات, وقد نجح في مهمته وافق الكسادي على طلبه بتكلُّف. وتأتي هذه الوساطة إلى جانب وساطة أخرى سبقتها لسلطان مسقط سعيد بن سلطان ورد ذكرها في أكثر من مصدر بما في ذلك المراسلات التي بين أيدنا كما سنعرف لاحقا.
5- رسالة من عبدالمطلوب بن سالم بن بوبكر بازنبور إلى الفقيه عبدالحبيب بن أحمد حيدر البكري محررة يوم الاثنين 11 ربيع ثاني 1228هـ, وهي كسابقتها لتجديد العهد مع بني بكر ويذكر أنه لم يحدث شيء وأن أهل كساد وأهل بريك كلاً في مكانه, أي أن الطرفين ملتزمان بالهدنة أو الصُّلح الذي وقعه بينهما سلطان بن صقر القاسمي.
6- رسالة هامة من بندر المكلا, محررة يوم الأحد, 1جماد أول 1231هجرية تزخر بمعلومات مفصلة عن مواجهات ذلك العام بين الكسادي وبن بريك المعروفة بموقعة (المشراف), وتفيدنا بحشود الكسادي الهائلة التي تقدر بحوالي ستة ألف مقاتل من جهة حضرموت (بدوي ويافعي), وخروج النقيب عبدالرب بن صلاح الكسادي في 10ربيع الثاني في حملة على الغيل مكث فيها عشرين يوماً وغارت قواته على البدو ونهبوا إبلهم وغنمهم, ثم اتجهوا إلى تبالة وبلغتهم أنباء عن خروج قافلة (نشرة رُكاب) تحمل من دفيقة, فاتجه ستمائة مقاتل كسادي وكمنوا في دفيقة في الصباح الباكر قبل خروج القافلة (النشرة) ونشبت الحرب تحت الشحر واستمرت حتى الظهر, وفر البدو وقوم العمودي هاربين منهزمين..ثم تحرك عبدالقادر وعبدالحبيب بن صالح وبن علي جابر ومعهم ثمانين شخصاً, وقامت الحرب في تبالة, حتى توسط سادة من الشحر وأوقفوا الحرب بين الطرفين, وطلب البدو أربعة أيام هدنة, وعزم على الخروج إلى شرمة والحامي بثلاث سواعي شاحنة بمحتاجات القوم.. وجاءت رسالة من الحبيب أحمد في الشحر أنه مُقبل على عقد صلح أربع سنين.
ويذكر ضحايا تلك الحرب وهم قتيلان من أهل بن بريك من عيال سالم ولد محسن بن قحطان وولد سالم بن حسين وعبد من عبيدهم وآخر مصاب منهم, وخمسة عشر مقتول من بدوهم واربعة مُصابين، ومن قوم الكسادي خمسة قتلى من البدو والقبائل وعشرة مصابين, ويافع لم يصب أحد منهم سوى حسين الخضر ومحمد الرمادي بهم إصابات طفيفة (شواتر والعظم سلم) وهم بخير.
7- الرسالة الهامة الأخرى من بلد سيئون,ويتبين من مضمونها أنها كُتبت في نفس فترة الرسالة أعلاه, وهي تكرر بصيغة أخرى وبتشابه في كثير من التفاصيل خبر تلك الحرب الضروس التي نشبت بين بن بريك والكسادي وتصفتها بـ(العسيرة), ومنها نعرف أن الكسادي جمع مقدر أربعة ألف مقاتل(بفارق ألفين أقل مما ورد في الرسالة السابقة) وجمع بن بريك مقدار ثلاثة ألف. ثم خبر حملة الكسادي على الغيل التي دخلها دون مقاومة لعدم وجود قوات لآل بن بريك ثم تقدم إلى تبالة وسيطر عليها ومكث فيها مقدار أربعة أيام واصبح قوم الكسادي تحت الشحر, وخرج قوم من آل بن بريك على قوم الكسادي يوم السبت16 شهر جماد أول واستمرت الحرب بينهم من الصباح إلى العصر, وقُتل من الجانبين حوالي عشرين شخصاً، خمسة من قوم الكسادي وخمسة عشر من قوم آل بن بريك, أما الجرحى (المصاويب)حوالي 60 شخصاً, ولم يُقتل أحد من يافع.
8- رسالة من المكلا سنة 1234هجرية, إلى شيخ بني بكر وقاضيها تشير إلى أنه تبقى من الصلح بين الكسادي وبن بريك الذي رعاه السلطان صقر القاسمي ستة أشهر، وتذكر خروقات بن بريك ومحاولته البناء في شرمة، واعتبار ذلك استئناف للفتنة من طرفه, ، ومن الرسالة نعرف أيضا أبلغ القواسمة والحبيب علي عبدالله بن ابوبكر المحضار بأن (الكسادي تلوّث نحنا في الصلح ونحنا نلوثه) ويقترح طرح رهائن (محبوسين) من الطرفين لدى أي من القبائل التي لا تهاب, ويكون مرجع لهما الشيخ سلطان بن صقر القاسمي..
9- رسالة محررة يوم الاثنين 20ربيع أول سنة 1244هجرية, من بندر المكلا, يورد فيها خبر سفر النقيب عبدالرب والنقيب عبدالحبيب ابناء صلاح إلى مسكت (مسقط) استجابة لطلب سعيد بن سلطان وكذا سفر ناجي بن علي لنفس الغرض.
ختاماً...

هذا ملخص موجز فقط لمحتويات هذه الوثائق والرسائل التي تعد مصادر تاريخية أصلية تعود إلى زمن أحداث ذلك العصر وتُنشر لأول مرة وتكتسب أهميتها من كونها ذات صلة بالشخصيات المؤثرة في الإمارتين أو من أنصارهما, وستتعرض الدراسة باستفاضة لمحتويات ومضامين هذه الوثائق وكشف وتحليل ما ورد فيها من تفاصيل ومعلومات جديدة عن الصراع الذي دار بين الأمارتين الكسادية في المكلا, والبريكية..
ولا شك أن نشر هذه الوثائق ودراستها يمثل إضافة هامة لسد بعض النقص في تاريخ الإمارتين الكسادية والبريكية وأبعاد وتفاصيل التنافس والصراع بينهما على التوسع والنفوذ بحكم جوارهما الجغرافي المحصور بين أهم منفذين بحريين في حضرموت هما مينائي المكلا والشحر ومحيطهما.
وبقي القول أن هذه الرسائل تقدم مادة خصبة ومعلومات قيمة عن التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للمجتمع الحضرمي, بما فيها تفاصيل وأخبار الأمطار والأسعار والفتن وتأثير سادة حضرموت الروحي وغير ذلك, وقد حرصت على أن أضع محتويات تلك الرسائل في هوامش البحث ليستفيد منها الباحثون والمهتمون في المجالات المختلفة

أحدث أقدم